آلية بناء الخطاب من منظور اللغويين القدامى

 

 

هكذا نظّر ابن جني عن وظيفة اللغة قائلاً “إنّ كل قوم يعبرون بها عن أغراضهم” [۱] حيث وظيفتها بناءُ التعبير على حد قوله، وهذا يعني تحديد وظيفتها، وعلى ضوء التعبير الإنساني في مخيلته إنّ المدلول لا يدل على مدلول إلّا أن تکمن في تفکير الإنسان فکرةٌ متبادرةٌ تُشير إلی شيء ما وذلك في الخارج.

فالتعبير صناعة وبناء وذلك بواسطة اللغة، حيث أدواته وظائف اللغة، كما أن الإنسان عارف وواعٍ باستخدامه اللغوي لا يمكنه التجاهل بالوظائف اللغوية من مفردة وتركيب وغيرها، مفرّقاً بين الكلمات والتراكيب، مرجحاً كلمة عن مفردة، وتركيب عن كلام باعتبار التعبير أو يمكن القول باعتبار بناء الخطاب فيما أن هناك علاقة بين توظيفه اللغوي وبين تفكيره في الذهن ألا وهي الخطاب تعبيراً عن طريق مفردة أو تركيب أو كلام كما قال الجاحظ إنّ “المعاني القائمة في صدور الناس المتصورة في أذهانهم، والمتخلجة في نفوسهم، والمتصلة بخواطرهم، والحادثة عن فکرهم، مستورة خفية، وبعيدة وحشية، ومجوبة مکنونة وموجودة في معنی معدومة، لا یعرف الإنسان ضمير صاحبه ولا حاجة أخيه وخليطه ولا معنی شريکه والمعاون له علی أموره. وإنّما يُحي تلك المعاني ذکرهم لها، وإخبارهم عنها واستعمالهم إياها. وعلی قدر وضوح الدلالة وصواب الإشارة وحسن الاختصار ودقة المدخل یکون إظهار المعنی” [۲]

وأشار الجاحظ إلی بناء الخطاب بالفكر ذهنا ذلك أنّه مخفي کامن، منطوق مستعمل يُشار إليه بالإشارة والدقة الصحيحة عند التوظيف اللغوي كما یرى الجرجاني بشأن بناء الخطاب “أنّ الاختصاص في الترتيب یقع في الألفاظ مرتَّبا علی المعاني المرتبة في النفس المنتظمة فيها علی قضية العقل” [۳] فموطن الخطاب برؤيته يکمن في ذهن المنشئ فيما توجد علاقة بین الملفوظ والفکر، وإنّ الخطاب لیس خارجاً عن الذهن وبقصد وعلمٍ بل إن الموظف للوظائف اللغوية عارفٌ موقف المفردة قائلاً “أقولُ” أو “أحكي” أو “اعتقدُ” مرجحاً إحداهما على الآخر، ويختار من أجل بناء خطابه وذلك بعلمٍ.

فوظيفة اللغة هي عبارة عن بناء الخطاب وصناعة التعابير في ظل اختيار المتكلم أو الكاتب لمفردة وأسلوب وتركيب، إذ إنّ الخطاب هو نتيجة تطابق الملفوظ والفكر بما فيه منظور خارجي في العالم الحقيقي للتأثير بالمخاطب والمتلقي، وأكدّ القرطاجني على تطابق اللفظ المنطوق (الدال) بالعالم الخارجي قائلاً “إنّ المعاني هي الصور الحاصلة في الأذهان عن الأشياء الموجودة في الأعيان. فکلّ شئ له وجود خارج الذهن فإنّه إذا أدرك حصلت له صورةٌ في الذهن، تطابق لما أدرك منه. فإذا عبّر عن تلك الصورة الذهنية الحاصلة عن الإدراك أقام اللفظُ المعبّر به هيئة تلك الصورة الذهنية في أفهام السامعين وأذهانهم. فصار للمعنی وجود آخر من جهة دلالته الألفاظ” [۴]

والمقولة تزكي قضية تطابق الدال مع العالم الخارجي فيما أنّ القصد من “خارج الذهن” هو الخطاب وتلك البنی العمیقة التي یقصدها الناس بأذهانهم وبمخیلاتهم خطاباً حيث یثبت القرطاجني بهذا القول وجود الخطاب في العالم المشهود فهذا یُعني أنّ اللغويين القدامى يرون بناء الخطاب مستخرجاً من اللغة بوظائفها وآلياتها وأساليبها وذلك باختيار المتكلم أو الكاتب مفردة “الحُزن” ترجيحاً على “الغَمّ” وتركيب “ماتَ هدراً” مفضلاً على “وافته المنية” وهكذا يقوم ببناء الخطاب ويعرب عن رؤيته للدلالة على الخطاب عالماً وعارفاً بالدلالات فكراً وذهناً.

وعلى ضوء ما جاء وباعتبار الآراء القديمة نظّر اللغويون في التراث الإسلامي للخطاب فحسب، وذلك وفق أساليبهم، وعلى حد تعبيرهم ولو تلميحاً بحيث تنضوي عملية بناء الخطاب تحت ثلاثة قوانين تليها آلية التفكير الإنساني ذهناً مضيفاً إلى اللغة بوظائفها وأساليبها كذلك المخاطب والمتلقي، وبحسب هذا تبقى اللغةُ هي سر الخطاب فكراً ونطقاً وتنفيذاً.

المصادر

۱. ابن جني، أبو الفتح عثمان، (۲۰۰۸)، الخصائص، ج ۱، ط۳، بيروت، ص ۳۳.

۲. الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر، (۱۹۹۸)، البيان والتبيين تحقيق عبدالسلام محمد هارون، القاهرة، مکتبة الخانجي، الطبعة السابعة، ص ۷۵.

۳. الجرجاني، عبدالقاهر، (۱۹۹۱)، أسرار البلاغة تعليق محمود محمد شاکر، جدة، دار المدنی، ص ۵.

۴. القرطاجني، أبو الحسين حازم، (۱۹۸۶)، منهاج البلغاء وسراج الأدباء تحقيق محمد الحبيب بن الخوجة، ص ۱۷.